قاع المحيطات تكشف الكثير من الاسرار



في قاع المحيطات ثمة (نقاط ساخنة) بركانية تفتح المجال للعلماء كي ينفذوا منها نحو مركز الأرض بغية الوصول الى السر الجيولوجي لكوكب الأرض.ونظرا لأن قيعان المحيطات عميقة للغاية ويخيم فيها جو يبعث على الوحشة والغرابة، ومن الصعوبة بمكان بلوغها من الناحية التقنية أو العملية، فإن العلماء لا يعلمون عنها الشيء الكثير، إلا ما يقعون عليه صدفة اثناء ابحاثهم الدائبة في قيعان البحار، فعلى سبيل المثال اكتشف العلماء قبل 25 سنة مصادر جديدة لمياه غريبة اطلقوا عليها مصادر المياه الحارة، ويبدو ان هذه المصادر كانت تخفي بدورها سرا آخر يتعلق بالطبقات العميقة للكوكب التي لم تزل حتى الآن تمثل تحديا كبيرا للعلماء.وإذا كان العلماء قد حاولوا ان يجروا بعض الثقوب لكشف كنه ذلك السر إلا ان محاولاتهم هذه لا تمثل سوى خدش بسيط لا قيمة له امام ما يمكن ان ينتظرهم بالفعل، فالرحلة الى مركز الأرض التي تحدث عنها (جيل فرن) القاص العلمي في كتبه ليست امرا يمكن تحقيقه في الغد القريب، ويستخدم الخبراء اليوم طرقا شتى غير مباشرة للبحث والتقصي عن مركز الارض مثل تقنية انتشار الموجات الزلزالية باستخدام الرسم الطبقي وهي طريقة في الرسم الاشعاعي غايتها الحصول على صورة لطبقة رقيقة من عضو معين يقع على عمق محدد.وإذا كان العلماء قد بذلوا مجهودا كبيرا في معرفة الطبقات الكبرى المكونة لاحشاء الارض (كالقشرة والوشاح الاعلى والادنى، والنواة) إلا ان ثمة شكوكا لم تزل عالقة بخصوص التركيب الكيميائي ودرجات الحرارة وطرق التواصل بين هذه الطبقات والحركات الناشئة فيها.ويعتقد العلماء ان كثيرا من الأسرار لا بد ان تكون متوارية تحت قيعان المحيطات خصوصا حول تلك التكوينات الجيولوجية القريبة المعروفة بالنقاط الساخنة (Hot spots) والتي تشير الى وجود براكين في حالة نشطة، بعيدا عن حدود الصفائح التكتونية التي تقسم القشرة الأرضية الي مناطق أو عناصر عدة. ويبلغ عدد هذه النقاط الساخنة حوالي 50 نقطة عبر الكرة الارضية، وتظهر هذه البراكين تحت القارات (اليابسة) وتعمل على كسرها لدرجة انها تكون سببا في تكوين مسطحات مائية محيطية وهذا ما يفسر لنا ان جل هذه البراكين (النقاط الساخنة) موجودة تحت المحيطات أو في وسط البحار.ويؤكد خبراء الجيولوجيا ان البركان النشط يكمن عند طرف سلسلة طويلة من الجبال المصطفة الى جانب بعضها البعض بدءاً من الجبل حديث التكوين وانتهاء بالجبل القديم الواقع عند الطرف الآخر للسلسلة، ويمكن لهذه السلسلة ان تمتد الى آلاف عدة من الكيلومترات، وبينما نجد ان تضاريس الجبال الجديدة تكون مرتفعة نوعا ما كي تشكل الجزر، نلاحظ ان الجبال الأقدم قد نحتتها عوامل التعرية ولذا فهي ترقد غالبا في الأعماق. نفاثات النار ويرى الجيولوجيون ان التفسير الحقيقي لطبيعة هذه النقاط الساخنة يكمن في تلك السلاسل الجبلية المكونة من براكين خامدة، وتعمل النقاط الساخنة كما لو كانت شفاطة أو نفاثة النار عند الحداد، حيث ترسل الى سطح الأرض كمية كبيرة من الصخور الذائبة الملتهبة المنبثقة من المناطق العميقة، وعندما تتعرض هذه الصخور الذائبة الى ابطال مفاجئ في الضغط جراء عبورها القشرة الارضية، فإنها تنصهر حيث تسيل في البحر بعد ان تكون قد احدثت ثقبا في الصفيحة التكتونية.ونتيجة للحركة المنتظمة للصفيحة التكتونية نجد ان البراكين تنجذب بعيدا عن النقاط الساخنة وتنطفئ أو تخمد، في حين تتكون براكين اخرى تحت تأثير النشاط المستمر لنفاثات النار، وفي العادة يحصل العلماء على معلومات كثيرة، ووافرة من خلال العناصر الكيميائية والمعدنية الموجودة في الصهارة، وبهذه الطريقة يتوصلون الى معرفة الطبيعة الجيوكيميائية للطبقات العميقة للأرض وكذلك ديناميكية الكرة الارضية وعملية التواصل بين مختلف الأجزاء.وفي شهر ديسمبر/ كانون الاول الماضي، اعلنت الباحثة الامريكية “رافائيلة مونتلي” المتخصصة في علم البراكين، انها قد تمكنت من اكتشاف صهارة تنبعث من اعماق قريبة من حدود الوشاح الأدنى الذي يقع على بعد 2900 كيلومتر تحت سطح الارض ولا يتردد الباحث “فانسون كورتيو” من معهد فيزياء الارض في جامعة باريس في الحديث عن تقدم علمي كبير في مجال دراسة قاع الارض طبقا لطريقة “مونتلي” الجديدة في استخدام تقنية الرسم الطبقي، ويعتقد كوريتو ان هذه الابحاث تظهر لنا بأنه يمكننا تحديد العمق الدقيق لمصدر كل نقطة ساخنة، حيث يمكن اعتبارها بمثابة المجسات الثابتة التي يمكن استخدامها في الاستماع الى اعماق الارض.وكان كوريتو قد نشر بالتعاون مع الباحث خوان ستوك من معهد كاليفورنيا التكنولوجي في عام 2002 دراسة قسم فيها النقاط الساخنة الى ثلاثة أنواع، الاول منها جذورها سطحية مثل نقاط (je How stome) في الولايات المتحدة ونوع تنبثق عنه صهارة ثانوية كالموجود في جزر تاهيتي، ونوع آخر يقع في اعماق بعيدة (بالقرب من الوشاح الأدنى) كالموجود في جزر هاواي وكيرجيلين. هجرة النقاط الساخنة وفي عام ،1987 أظهرت دراسة اخرى للباحث “خوان ستوك” ان النقاط الساخنة ليست دائما ثابتة، بل تتعرض لظاهرة الهجرة هي ايضا حيث تبتعد عن مكان ظهورها حوالي ألف كيلومتر، خلال فترة تمتد ل 40 مليون نسمة.وكان الباحث “جون تاردونو” المتخصص في مغناطيسية العهود القديمة في جامعة روشستر بالولايات المتحدة قد حفر على عمق الفي متر تحت الماء وعلى عمق ستمائة متر في الرواسب البحرية الواقعة في احد ارخبيلات هاواي، ووجد ان الحمم البركانية المنبعثة من هذه المنطقة تشهد بطريقة لا شك فيها على هجرة النقاط الساخنة، ولاحظ الباحث ان الحمم عندما تبرد فإن بلورات المغناتيت (اكسيد الحديد المغناطيسي) تتمغنط وتصطف في اتجاه المجال المغناطيسي المحيط.المعروف ان اتجاه خطوط قوة المجال المغناطيسي للأرض يتغير مع تغير خطوط العرض، ولذا فإن وضعية بلورات المغناتيت تدلنا على موقع البركان في زمن معين.ويشير الباحث ان أهم عنصر في الدراسة يتعلق بمسألة فهم الديناميكية الخاصة بالوشاح، لأن انتقال النقاط الساخنة يرتبط مباشرة بالحركات الحادثة في الطبقات العميقة.ونظرا لامتلاك العلماء أدوات وتقنيات حديثة تمكنهم من عمل نماذج تفصيلية لمناطق الوشاح المختلفة التي تكثر فيها الحركات التكتونية، فإنهم استطاعوا تكوين نماذج متكاملة تتضمن جميع العناصر المتعلقة بالنقاط الساخنة كالطاقة المتحررة منها، ولذا فإن تحسين هذه النماذج سيؤدي الى فهم أفضل وأعمق لطبيعة مركز الأرض والتاريخ الماضي للكوكب. فعندما عاد العلماء الى اول نقطة ساخنة تحت البحر من خلال تتبعهم للسلاسل الجبلية البحرية، وقعوا على تكوينات جيولوجية غريبة اطلقوا عليها تعبير (Traps) أو (المناطق البازلتية الكبرى). وهذه التكوينات عبارة عن تجمعات بازلتية عظمى أو حمم باردة شكلت على مر السنين تكتلات هائلة متراكبة اكثرها شهرة (Traps of Deccan) الموجودة في جنوب الهند، ونجد هذه التكتلات البازلتية في اثيوبيا وسيبيريا ايضا.والواقع ان الشيء المدهش الذي حير العلماء تجانس هذه التكتلات لأن كل تكتل كان يحتوي في الأصل (قبل تفكك القارات) على كمية من الحمم تتراوح بين 2 و10 ملايين كيلو متر مكعب، وهي كمية يمكنها ان تغطي بلداً مثل فرنسا بطبقة من البازلت يبلغ سمكها بين 4 و20 كيلومترا!! أما عن الصفة الأخرى التي لا تقل دهشة ان هذه الوحوش البركانية ظهرت في أقل من مليون سنة أي زمن متقارب أو لحظي على المستوى الجيولوجي وهكذا نرى ان النقاط الساخنة كانت نوافذ مفتوحة على الاعماق للوصول بالعلماء الى تحديد الأحداث الجيولوجية الكبرى التي شهدتها الأرض