الانتقام قادم وموجع

الانتقام قادم وموجع
2006/07/31
عبد الباري عطوان

ليست اسرائيل وحدها التي تتحمل مسؤولية مجزرة قانا الثانية، وانما ايضا الولايات المتحدة
الامريكية وحلفاؤها العرب، وخاصة المثلث المصري ـ السعودي ـ الاردني الذي وفر الغطاء العربي للعدوان الحالي علي لبنان.الادارة الامريكية لم تعط فقط الضوء الاخضر للقوات الاسرائيلية لتدمير لبنان، وقتل المئات من ابنائه، وانما حمت هذا العدوان سياسيا بعرقلة كل الجهود لوقف اطلاق النار، وتزويد الاسرائيليين بالقنابل الذكية الموجهة بأشعة الليزر.الزعماء العرب جميعا، نددوا بالمجزرة، واختاروا كلمات الادانة بدقة فائقة، كل حسب حجم تواطئه مع العدوان الاسرائيلي، ومدي قربه، او بعده، عن الادارة الامريكية، ولم يفعلوا اي شيء آخر علي الاطلاق، ولهذا استحقوا مديح الاعلام الاسرائيلي علي واقعيتهم و حكمتهم .لا نعرف ما اذا كان هؤلاء يشاهدون بشاعة المجزرة عبر شاشات التلفزة مثلنا، ام انهم يتجنبون القنوات التي تنقل صور جثث الشهداء الاطفال وسط ركام البيوت المدمرة، وينتقلون الي قنوات روتانا للترويح عن النفس والابتعاد عما يعكر المزاج، ويجلب النكد.وحدها المقاومة الاسلامية في لبنان التي تحمل هموم هذه الأمة وتدافع عن كرامتها، ووحده السيد حسن نصر الله الذي يتوعد بالانتقام لضحايا المجزرة، وهو رجل اذا قال فعل لانه طالب شهادة، وليس طالب حكم او ثروة او جاه.الحرب ستستمر قطعا، ولن نفاجأ اذا ما جاء الثأر لشهداء قانا الثانية بقصف تل ابيب او اي مدينة اسرائيلية اخري في العمق الفلسطيني. فالمقاومة الاسلامية، وعلي عكس الزعماء العرب، لا تخاف من بوش، ولا تخشي اولمرت، ولا تعبأ بكل الاحاديث الزائفة حول الواقعية والتهدئة والموازين الدولية.التاريخ يصنعه الشجعان المغامرون، ولم يصنعه الخائفون المترددون اصحاب التحليلات والحسابات الدقيقة. والدول المستعمرة تتحرر بالمقاومة والشهداء، وليس بالتسول والاستجداء في اروقة الامم المتحدة او العواصم الكبري.المقاومة الاسلامية تصنع تاريخا جديدا في لبنان بصمودها، والرد علي العدوان الاسرائيلي بما تملكه من امكانيات متواضعة، ولكن فاعلة عسكريا ونفسيا، بصورة تشير الي ان العد العكسي لانهيار دولة العدوان الاسرائيلية قد بدأ، وان الخط البياني للسلام الحقيقي القائم علي الحق انطلق في مسيرة تصاعدية من ركام الدمار في لبنان.هذا القول ليس من قبيل المبالغة، ولا هو من منطلق رفع المعنويات، وانما هو ثمرة قراءة متأنية للوقائع علي الارض، واستحضار كل التجارب التاريخية السابقة سواء في المنطقة العربية او مناطق اخري من العالم.اسرائيل حالة فريدة في العالم، قامت في ظل معادلات دولية مختلة، وتكفير غربي عن ذنب المحرقة، وتخلف عربي مطلق، وقيادات اسلامية وعربية مفروضة من المستعمر.الصورة تتغير الان بسرعة، وعقدة الذنب تتآكل امام هذا الفجور الاسرائيلي، والقيادات العربية الحالية المأمورة من قبل السيدة كوندوليزا رايس تفقد شرعيتها بسرعة، مثلما تفقد ما تبقي لها من مصداقية، بعد ان فضحتها الحرب الحالية علي لبنان.الارهاب الصهيوني هو الذي اقام دولة اسرائيل، والارهاب الصهيوني هو الذي سيطيح بها، أي ارهاب الدولة الذي تمارسه حاليا في ابشع صوره في لبنان، ويؤلب جميع ابناء المنطقة ويدفعهم نحو التطرف.الجيش الاسرائيلي ربما يملك رؤوسا نووية وطائرات حديثة، وقنابل ذكية، ومعدات اليكترونية، ودعما من واشنطن، ولكن ما لا يملكه هو ارادة القــتال المســتندة الي الحــق التي يملكها المـــقاومون الذين يتصدون له حاليا.الحكومة العراقية المنتخبة تحظي بدعم امريكا، ومئة وخمسين الفا من قواتها، ومئات الطائرات وآلاف الدبابات، وربع مليون جندي مقسمين بين حرس وطني وقوات امن، علاوة علي مئة الف عنصر من الميليشيات المسلحة، ومع ذلك لم تستطع بسط سلطتها علي اربعة كيلومترات مربعة اسمها المنطقة الخضراء.امريكا تدعم كرزاي وحكومته، وتوفر له القوات والحماية، وتستعين بعشرات الآلاف من القوات المتعددة الجنسية، ومع ذلك عجز هذا الكرزاي عن حماية قصره في كابول، وتحول الي رئيس مجلس بلدي لا يثق بابناء جلدته لحمايته، ويسلم المهمة لعناصر المارينز الامريكي.هذه الحرب في لبنان هي اهم الحروب في المنطقة واخطرها، لانها ستكون نقطة تحول فارقة ترسم شكل المنطقة وخريطتها لسنوات ان لم يكن لعقود قادمة.فهيبة الجيش الاسرائيلي انهارت في مارون الراس وبنت جبيل، وعقدة ذنب العالم تجاه اليهود تآكلت، وربمـــا تبخــرت، مع توارد صور مجزرة قانا.القوات الاسرائيلية تقيم محرقتها في لبنان، وتعيد امجاد النازية علي حساب الاطفال اللبنانيين العزل، امام بصر العالم وسمعه، بالصوت والصورة، وصور قانا لا تكذب.لعل الخير يأتي من باطن الشر، ولعلها مأساة تعيد الوعي الي العرب والمسلمين، وتقضي علي الفتنة التي بذرها الاحتلال الامريكي في العراق، وتعيد توحيد الأمة، ومذاهبها جميعا، في مواجهة مصدر البلاء الاساسي وهو الدولة العبرية وجرائمها، والدعم الامريكي غير المحدود لها.محور الشر الامريكي ـ الاسرائيلي يعيش هذه الايام اسوأ ايامه في لبنان، ومعه النظام العربي الرسمي المرتعش المتخاذل المتواطئ، بعد ان وجد من يتعامل معه بالطريقة التي يفهمها، ولم يجربها في السابق
نقلا عن القدس العربي

اسرائيل المسعورة و الأنظمة المذعورة



إسرائيل المسعورة.. الأنظمة المذعورة.. الإمبراطورية المضطربة.. ولبنان الصامد بقلم د. يحيي الجمل
أتصور أن هذه العبارات الأربع توجز وتجمع في نفس الوقت حقيقة الأوضاع الراهنة حالياً في المنطقة التي نعيش فيها.
الذي تقوم به إسرائيل من تدمير وتشريد للأبرياء وقتل للمدنيين وغير المدنيين وتحطيم كل صور البنية التحتية ودك المباني وتقطيع أوصال القري وهدم الطرق والقتل العشوائي، كل هذا وغيره يعبر عن السعار الذي تعيش فيه إسرائيل. من الحقائق النفسية - بل من الحقائق العسكرية أيضاً - أن الدول تكون أكثر سعاراً وأكثر قسوة عندما تهتز ثقتها بنفسها وتهتز ثقتها بالقضية التي تحارب من أجلها وعندما تتسلط عليها شهوة الانتقام.
وأتصور أن إسرائيل في إصرارها علي تدمير لبنان النموذج ولبنان الحداثة ولبنان التحضر ولبنان الوحدة الوطنية - إسرائيل وهي تفعل ذلك كله تفعله لأن ما حدث لها أخيراً نتيجة الموقف البطولي الرائع للمقاومة اللبنانية أفقدها وأفقد قادتها القدرة علي التفكير الهادئ ودفعها دفعاً إلي هذا السعار الذي يعبر عن نفسه في هذه الرغبة التدميرية العشوائية التي لاتميز بين محارب ومدني ولاتميز بين مستشفي ومدرسة ومعسكر ولابين مقر للأمم المتحدة ولاموقع من مواقع حزب الله.هذا هو السعار بعينه الذي يراه العالم كل يوم علي شاشات الفضائيات ويسمعه من كل المراسلين الذين يتصدون لتغطية هذه المعركة الشرسة.
وإذا كان هذا هو حال إسرائيل فإن حال الأنظمة الحاكمة العربية - أو كثرتها - هو حال أكثر تعاسة. هي أنظمة مذعورة بكل معاني الكلمة. إنها تعرف أين الحق ولكنها تخاف أن تقترب منه. وهي تعرف أنها في هوانها وذلها وانكسارها قد هانت علي إسرائيل فلم تعد تأبه لها وهانت علي أمريكا فلم تعد تكترث بها أو تحسب لها أدني حساب وهانت علي شعوبها فلم يعد لها لدي هذه الشعوب أدني مصداقية أو أقل احترام. وهذه الأنظمة المذعورة لابد وأنها تدرك أن نهايتها أصبحت محتومة أيا كانت نتيجة المعركة الدائرة الآن.
انتصار إسرائيل - لاقدر الله - سيزيد من هوانها وركوعها وسيؤكد لإسرائيل وأمريكا ضرورة إزاحتها وهي بسبيلها لإعادة بناء المنطقة علي النحو الذي تريده.
وانتصار المقاومة - بإذن الله - سيزيد من تعريتها وسيؤدي بالقطع إلي أن شعوب هذه الأنظمة ستلقي بها في مزبلة التاريخ أو فيما هو أكثر حقارة وهواناً.
ولذلك فهي مذعورة وخائفة ووجلة، هذه الأنظمة تنظر بعين ذليلة نحو أمريكا وإسرائيل وتنظر بعين خائفة مستريبة نحو شعوبها. وتقول في الخفاء مالا تجرؤ علي قوله في العلن وتتحدث أكثر من لغة وتتناقض في مواقفها وأحاديثها وتصريحاتها تناقضاً يزيد من كشف عوراتها ويزيد من هوانها علي كل الأطراف.
أعتقد أن الحرب الدائرة الآن في لبنان ستنتهي ومعها أو في أعقابها نهاية أنظمة انتهي عمرها الافتراضي من زمن وأصبحت غير متفقة مع منطق المرحلة التي يعيش فيها العالم وتتهيأ لها المنطقة التي نعيش فيها أيا كانت نتيجة الحرب الدائرة علي أرض لبنان الحبيب.
أما أمر الإمبراطورية الأمريكية فهو أعجب هذه الأمور جميعاً وهو أكثرها تعقيداً وصعوبة علي الفهم لشدة غرابته وشدة اضطرابه وشدة خروجه عن المألوف.
سعار إسرائيل مفهوم وذعر الأنظمة العربية أسبابه واضحة ولكن امبراطورية بهذا الحجم وبهذه القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية ينتهي بها الأمر إلي أن تتنكر إلي كل ما نادت به في تاريخها - وإن كان قصيراً - من مبادئ ومثل ولكي ينتهي الأمر بقادتها إلي التماهي مع إسرائيل ضد مصالح الشعب الأمريكي نفسه وإلي الإيمان بمجموعة من الأساطير التوراتية التي لايقبلها عقل ولاتستطيع - أو علي الأدق لاتريد - أن تفرق بين حق الشعوب في تقرير مصيرها وتحرير أرضها وبين الإرهاب الأعمي الذي لايريد إلا التدمير والقتل والعدوان علي نحو ماتفعل إسرائيل في لبنان الآن.
وهذا الإصرار من جانب الإمبراطورية الأمريكية للتنكر لمبادئ القانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة ولقواعد القانون الإنساني هل له من معني إلا أن الإمبراطورية فقدت كل المعايير السليمة التي يقاس بها تصرف الدول في المجتمع الدولي.
وهل حدث في التاريخ القريب أو البعيد أن يتصدي المجتمع الدولي لحرب ضروس في منطقة من مناطق العالم كما يحدث الآن علي أرض لبنان ثم لايكون أول قرار يتخذه المجتمع الدولي هو الوقف الفوري للاقتتال تمهيداً للجلوس علي مائدة الحوار، الأمر الذي رفضته الولايات المتحدة وحالت بينه وبين أن يحدث في مؤتمر روما الأخير وذلك بهدف تمكين إسرائيل من الاستمرار في تدمير لبنان والقضاء علي قوة المقاومة وروحها وإشعال حرب طائفية داخلية في لبنان تقضي علي ما قد يكون قد بقي من لبنان.
هل هذا موقف يليق بالإمبراطورية التي رفعت يوماً من الأيام مبادئ الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وانحازت يوماً من الأيام إلي القضايا العادلة فإذا بها الآن تنحاز إلي الوحشية وإلي الإرهاب الإسرائيلي - وإرهاب الدول أشد تدميراً وفتكاً من إرهاب الأفراد - وتقف ضد حق الشعوب في تحرير أرضها وتقرير مصيرها.
إلي هذا المدي وصلت الولايات المتحدة الأمريكية تحت إدارة متغطرسة يصفها بعض أهلها بالجهالة والحمق وعدم الخبرة والغرور الزائد علي كل الحدود. وأظنهم في وصفهم هذا من الصادقين. إن شر مايبتلي به العالم هو أن يقف علي القمة منه رجل يمتاز بالتعصب وضيق الأفق والغرور. وأظن أن هذا هو الحادث الآن.
أما لبنان الصامد وأما المقاومة الباسلة الرائعة المؤمنة فإنها تستحق أن نحني لها الرؤوس ونقدم لها آيات الاحترام.ولكن هذا وحده لايكفي، إن المشاعر الجادة الصادقة مطلوبة ولكن المشاعر وحدها - رغم أهميتها - لن تحسم أمر هذه الحرب.
لقد استمعت إلي حديث سماحة السيد حسن نصرالله منذ أكثر من أسبوع واستمعت أخيراً إلي حديث دولة نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني. في الحديث الأول كنت استمع إلي مناضل من طراز رائع، إلي مناضل مؤمن بعدالة قضيته مؤمن برجاله مؤمن بالله وأن النصر من عند الله بعد اتخاذ كل العدة من أجل تحقيقه.
كان حسن نصرالله هادئا واثقاً مؤمناً صلباً لاتلين له قناة، وكذلك يجب أن يكون قادة نضال الشعوب.
واستمعت يوم الجمعة الماضي إلي السيد نبيه بري، وانتابتني مشاعر عديدة وأنا استمع إليه، أحسست في لحظات كأنه يحدثني شخصياً باعتباري مواطناً عربياً مهموماً بأمر أمته ووطنه، وأحسست أنه يعاتبني وكأنه يقول هل هذا هو كل ما تستحقه منكم لبنان.
وكان حديث السيد نبيه بري قمة في الوطنية وقمة في الدبلوماسية وقمة في التقريع المهذب الذي يختار الألفاظ بدقة وعناية لمن يستحقون التقريع.
ولم أملك إلا أن أقارن بين السيد نبيه بري في حديثه الذي يستند إلي حق واضح وضوح الشمس وإلي منطق قوي سليم وإلي وقائع التاريخ القريب والبعيد - لم أملك إلا أن أقارن بين هذا الحديث العميق والواعي والصلب وبين ما تقذف به بعض الأفواه من كلام متخاذل مضطرب يحسن به ألايخرج من أفواه أصحابه، وقد قالها السيد نبيه بري: من لايستطيع أن يقول كلمة الحق فليصمت. من لايستطيع أن يؤيد المقاومة الباسلة الشريفة فلايطعنها في ظهرها ولايقدم الغطاء لأعدائها.
ووسط كل هذا الظلام والبؤس والهوان أرجو أن أرسل من هنا من مصر وعلي صفحات المصري اليوم التحية والتقدير والتأييد إلي شعب لبنان وإلي قادة شعب لبنان وإلي التلاحم والتساند والتضامن اللبناني الذي ستتحطم علي صخرته كل أهداف العدوان الإسرائيلي الأمريكي.
ولن أجد حرجاً في أن أوجه التحية والتقدير إلي قناة الجزيرة التي أستأثرت بمتابعة المشاهد العربي في كل مكان والتي عرت وسائل الإعلام الرسمية العاجزة التي انصرفت عنها الشعوب كما انصرفت عن الأنظمة والحكام المذعورين.ولن يطول الظلام.. ولن ينتصر الشر.. ولن تقهر إرادة الشعوب
٣١ يوليو ٢٠٠٦ عدد ٧٧٨ صحيفة المصري اليوم